حسن الأمين
297
مستدركات أعيان الشيعة
تكون الانتخابات حرة لأن لا سلطة واحدة تستطيع أن تحسم الأمور لمصلحتها . وكان رياض الصلح حائرا لا يدري ما يفعل ، أيرشح نفسه في بيروت ، أم يرشح نفسه في جبل عامل ( أي ما أطلقوا عليه اسم الجنوب ) ؟ . . لقد كان يصده عن الترشيح في بيروت أنه كان يخشى أن يتالب عليه المسيحيون مع خصومه من المسلمين فيسقطوه ، لأن المسيحيين يرون فيه الرجل القوي ، وأهم من ذلك فان قريبه سامي الصلح عازم على الترشيح في بيروت ، ولسامي قواعد شعبية متينة ، فلم يكن من المعقول أن يترشح صلحيان في قائمة واحدة ولا أن يتقارعا في قائمتين متضادتين . وكان يصده عن الترشيح في جبل عامل أن لا قاعدة شعبية له فيه حتى ولا في مدينة صيدا المعتبرة مدينة أسرته ومدينة أبيه من قبله ومدينته هو نفسه ، وذلك لأنه هجرها ولم تبق له ركيزة فيها . وكنت إذ ذاك أعمل في القضاء في محكمة ( النباطية ) ، فأرسل إلي يطلب حضوري إلى بيروت بأسرع ما أستطيع من الوقت ، فجئته في الحال ، فخلا بي في منزله وعرض علي الموقف وحيرته فيه ، فقلت له : هل ستكون الانتخابات حرة ، أم هناك مجال لتدخل السلطة ؟ . فقال ستكون الانتخابات حرة مائة بالمئة فابد رأيك بناء على هذا الأساس . فقلت له : إذا كنت موقنا بان الانتخابات ستكون حرة فلا تتردد لحظة واحدة في الترشيح في جبل عامل ، فان لك فيه قواعد شعبية تجهلها أنت ، وسنتفانى نحن أصدقاءك في تأييدك والدعوة إليك ، وسيستجيب الناس وسمعتك وسمعة أسرتك طيبة وستنجح بإذن الله . وكان المتنافسان الرئيسيان يوم ذاك في جبل عامل هما أحمد الأسعد وعادل عسيران ، وكان أحمد الأسعد مرشح الفرنسيين ، وعادل عسيران مرشح الإنكليز ، وكانا عدوين لدودين ، يسعى كل منهما لتاليف لائحة تنافس لائحة عدوه ، فقلت له : أن الأمر سيكون أهون مما تتصور ، لأن الموقف في نظري هو كالآتي : إن كلا من أحمد الأسعد وعادل عسيران يتهيب المعركة لأن أحدا منهما لم يجرب بعد قوته الذاتية ، فاحمد الأسعد نجح في الانتخابات الماضية لأنه كان واحدا من جماعة ضمتهم السلطة الفرنسية في قائمة واحدة نجحوا جميعا لأن السلطة فرضتهم . وعادل عسيران سقط في تلك الانتخابات لأن مزاحمه في القائمة كان كبير الأسرة عمه نجيب . إن هذا التهيب من المعركة يجعل الاثنين أحمد وعادل قابلين بسهولة للدخول في قائمة واحدة إذا وجد من يعرف كيف يمهد الطريق لذلك ، فكل منهما لا يطمح الآن لأكثر من أن يفوز هو نفسه ولا يهمه الآخرون ، وانضمامهما في قائمة واحدة ينهي المعركة ويضمن لكل منهما الفوز ، والأمر يحتاج إلى رجل لبق يدخل بينهما ، وهل في الدنيا من هو أكثر لباقة منك ، فأقدم ولا تتردد . فتهلل وجهه بشرا وانزاح عن صدره الحمل الثقيل . وطلب إلي أن أبقى إلى جانبه عصر ذلك اليوم والليلة والنهار القادمين ، لعل الأمر يحتاج لأن يستوضحني في بعض التفاصيل ، وهكذا كان . ثم تم الأمر كما قدرته . فنجح أحمد وعادل في قائمة واحدة كان فيها رياض . سنة وبعض السنة مضى على ذلك ، كان فيها رياض الصلح قد أصبح رئيسا للوزارة وصار الآمر الناهي ، وعاد راكب ( الكاديلاك ) بعد ركوب الترامواي ، وأصبح عشير الرؤساء ورفيق الوزراء وخليط النواب ! . . بعد سنة وبعض السنة كان رياض الصلح يشيح بوجهه ويلوي عنقه وتتمعر طلعته ثم يدير ظهره أمام الاستنجاد به . . . لقد مر في خاطري شريط الذكريات منذ اللقاء الأول برياض في ظاهر النباطية يوم تحديث السلطات والنافذين في تكريمه حتى ساعة الاستنجاد هذه . ولم تكن هذه أولى غدرات رياض الصلح باصدقائه ، ولا آخر غدراته ، فقد تبين أنه مطبوع على الغدر ، وعلى ما هو شر من الغدر . يوم الانتخاب في دمشق مضت دراسة الحقوق مضيا رتيبا ، وتالفنا هناك بضعة طلاب لا يزيد عددنا على العشرة ، متخذين لنا منهجا ، فيه أن نلتقي في المنازل لقاءات أسبوعية لا تخلو من التسلية البريئة ، وأهم ما فيها تنظيم الكفاح الوطني ومقاومة الافرنسيين ، فإذا ألم بالبلاد حادث كان علينا أن نحزم أمرنا ونقود فيه جبهة فاعلة تقرر وتقتحم . ومما يذكر مما كانت مشاركتنا فيه فعالة ، هو يوم قرر المفوض الفرنسي ( بونسو ) إجراء انتخابات عامة في سوريا في 20 كانون الأول سنة 1931 تمهيدا لتصفية القضية الوطنية بتزوير الانتخابات وإخراج مجلس نيابي مطواع يقر معاهدة معدة لا تختلف عن الانتداب إلا بالاسم ، وهي المعاهدة التي عرفت يوم ذاك باسم ( معاهدة الشعباني ) نسبة لوزير الداخلية شاكر نعمت الشعباني الذي تبناها وتعهد تصديقها من المجلس . وجاء يوم الانتخاب وأعد الفرنسيون عدتهم للتزوير في سوريا كلها ، وأعد الطلاب عدتهم للمعركة ، وقضينا ليلة يوم الانتخاب نجول من حي إلى حي نشحذ الهمم ونستفز النفوس ، وفي الصباح كنا نتوزع في الأحياء حول مراكز الاقتراع ، وقد كان كل شيء مهيا للمعركة ، ولا تحتاج النار العتيدة إلا إلى عود من الكبريت لتضطرم اضطرامها المروع . وقد كان ، فبدأ ( 1 ) الهجوم على المراكز وأخذ الرصاص يدوي من بنادق الجنود حماة المراكز ، وانطلقت الجموع في شوارع دمشق مهددة متوعدة وبدأ الصدام
--> ( 1 ) عن الإنصاف أن نذكر أن الذي أشعل عود الكبريت هو زكي الخطيب الذي كان يوم ذاك من أركان الكتلة الوطنية وأحد مرشحيها ، فقد جاء مبكرا إلى مركز الاقتراع وجلس وراء الصندوق وأبى أن يتزحزح عن مكانه ، ولم يفد معه أي جهد ، ولما صاولوه قال لهم : لقد كتبت وصيتي قبل أن أخرج من بيتي ، ثم خرج إلى المجتمعين في الخارج وقال لهم : لقد بدأ التزوير فاحموا انتخاباتكم ، فاشتعلت النار . ثم انفصل بعد ذلك زكي الخطيب عن الكتلة عندما أحكم جميل مردم قبضته عليها .